محمد العربي الخطابي
317
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
تضعف وترجع عن جميع ما كانت تتناوله وتتخلّى عن تدبيرها المخصوص بها فيهلك الإنسان بلا مهلة من قبل أن الطبيعة تدفع عن الدم دائما ولا يمكن الدواء إخراجه إلا إن غلبها وقهرها بفضل قوة وعنف ، والسبب في دفع الطبيعة عن الدم دائما وحمايتها له دون سائر الأخلاط طيب طعمه وعذوبته فتلتذّ به من أجل ذلك مع قربه من مزاج بدن الإنسان وحاجتها إليه لتغذية الأعضاء وتربية البدن ، ألا ترى لو عدمت الدم لما وجدت في غيرها من الأخلاط عوضا منه لبشاعة سائرها وكراهة طعمها وبعدها من مزاج الإنسان ومخالفتها له بالطّبع ، وذلك أن المرّة الصفراء حارّة يابسة مرّة حريفة ، والبلغم بشع الطّعم تفه مبرّد لبدن الإنسان مرخّ له لا طعم فيه ولا لذاذة ، والمرّة السوداء باردة يابسة حامضة مجفّفة قطّاعة ، فلهذه الأسباب كرهتها الطبيعة ولم تستعملها في تغذية البدن واعتدّ لكلّ واحد منها موضع ينحصر فيه كي يمسكها من الجولان على جميع البدن ليلا تمرّ بالأعضاء فتضرّ بها لمخالفتها له ، وقد ذكرت في رسالة « التبيين والترتيب » التي لي في ترتيب تقديم الأغذية بعضها على بعض صفة هذه المواضع وكيف تنحصر الأخلاط فيها وتحصل بها بإيجاز من القول . وأما الدم فبسبب عذوبته ولذاذته ومشاكلته لبدن الإنسان قبلته الطبيعة وصيّرته جوّالا معها على جميع البدن . فإن قال قائل : ألم تقل الأطبّاء إنّ جميع الأخلاط محمولة في الدم غير مفارقة له ؟ وقولهم أيضا : إن احتجنا استفراغ البدن من جميع الأخلاط أخرجنا من الدم على حسب الحاجة والقوّة ، إذ الأخلاط كلّها محمولة فيه وخارجة بخروجه ، فما إنكارك لجولانها معه على جميع البدن ؟ قلنا له : إنّ الأخلاط وإن كانت محمولة في الدم وغير مفارقة له فإنّ الذي يصحبه منها مقدار يسير ليس فيه من القوة والقدرة ما يغيّر طبيعته ويذهب بلذاذته بل يجول منها معه بمقدار حاجة الطبيعة إليه لتمدّ به القوى الطبيعية الأربع التي في كلّ واحد من الأعضاء : أولها القوة الجاذبة وطبيعتها الحرارة واليبوسة ولا بدّ لهذه القوة من مادّة تمسكها على حالها الطبيعية وهي المرّة الصفراء ، والثانية القوة الماسكة وطبيعتها البرودة واليبوسة ، ولا بدّ لهذه القوة أيضا من مادة تمسكها على حالها الطبيعية وهي المرّة السوداء ، والثالثة القوة الهاضمة وطبيعتها الحرارة والرطوبة ، ولا بد لها أيضا من مادّة تمسكها على حالها الطبيعية وهي الدم ، والرابعة القوة الدافعة وطبيعتها البرودة والرطوبة ولا بدّ لها أيضا من مادة تمسكها على حالها الطبيعية وهي البلغم .